الغزالي
86
إحياء علوم الدين
من دخل السوق فرأى شيئا يشتهيه ، فصبر واحتسب . كان خيرا له من ألف دينار ينفقها كلها في سبيل الله تعالى . وقال رجل لبشر بن الحارث رحمه الله : ادع الله لي ، فقد أضرّ بي العيال . فقال . إذا قال لك عيالك ليس عندنا دقيق ولا خبز ، فادع الله لي في ذلك الوقت ، فإن دعاءك أفضل من دعائي . وكان يقول . مثل الغني المتعبد مثل روضة على مزبلة ، ومثل الفقير المتعبد مثل عقد الجوهر في جيد الحسناء وقد كانوا يكرهون سماع علم المعرفة من الأغنياء وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه اللهم إني أسألك الذل عند النصف من نفسي ، والزهد فيما جاوز الكفاف . وإذا كان مثل الصديق رضي الله عنه في كمال حاله يحذر من الدنيا ووجودها ، فكيف يشك في أن فقد المال أصلح من وجوده ؟ هذا مع أن أحسن أحوال الغني أن يأخذ حلالا ، وينفق طيبا ، ومع ذلك فيطول حسابه في عرصات القيامة ، ويطول انتظاره . ومن نوقش الحساب فقد عذب . ولهذا تأخر عبد الرحمن بن عوف عن الحنة ، إذ كان مشغولا بالحساب كما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولهذا قال أبو الدرداء رضي الله عنه : ما أحب أن لي حانوتا على باب المسجد ، ولا تخطئنى فيه صلاة وذكر ، وأربح كل يوم خمسين دينارا ، وأتصدق بها في سبيل الله تعالى . قيل وما تكره ؟ قال سوء الحساب ولذلك قال سفيان رحمه الله : اختار الفقراء ثلاثة أشياء ، واختار الأغنياء ثلاثة أشياء . اختار الفقراء راحة النفس ، وفراغ القلب ، وخفة الحساب . واختار الأغنياء تعب النفس وشغل القلب . وشدة الحساب . وما ذكره ابن عطاء من أن الغنى وصف الحق ، فهو بذلك أفضل ، فهو صحيح ، ولكن إذا كان العبد غنيا عن وجود المال وعدمه جميعا ، بأن يستوي عنده كلاهما . فأما إذا كان غنيا بوجوده ، ومفتقر إلى بقائه ، فلا يضاهي غناه غنى الله تعالى لأن الله تعالى غني بذاته . لا بما يتصور زواله . والمال يتصور زواله بأن يسرق . وما ذكر من الرد عليه بأن الله ليس غنيا بالأعراض والأسباب صحيح في ذم غني يريد بقاء المال . وما ذكر من أن صفات الحق لا تليق بالعبد غير صحيح . بل العلم من صفاته ، وهو أفضل شيء للعبد . بل منتهى العبد أن يتخلق بأخلاق الله تعالى . وقد سمعت بعض المشايخ يقول